إنه حمايَ .. أبو محمود الجريري … الرجل الذي أهداني ابنته وزوجني إيّاها ولم يناقشني أبداً بالتفاصيل.. وقال لي: إحنا نشتري زلمة ..،، .. هو الآن عند ربّه بعد أن ودّع الدنيا واقفاً كالأشجار و أكثر ..،، كان يخشى أن ترميه الأيّام على الفراش : خصوصاً أنه تجاوز الثمانين ..ولكنه – والحمد لله – خرج من الدنيا و لم يُتعب أحداً ولم يُعدّيه الشارع أحد ..وكان له ما أراد ..مات وهو يضرب الأرض بقدميه مشياً فوق ترابها ..،،
حين يتعب من الدنيا يهرب إلى مزرعته الصغيرة ..يفتح الراديو و يحفظ الأخبار ..وحين يأتيني كان هو المُذيع وأنا المستمع لكل المحطات التي يُلقيها عليّ..وبعدها ..يصفن قليلاً و يحدثني عن فلسطين و البلاد التي تركها شاباً يافعاً يتوق للعودة إليها الآن ..،،
كانت أشهر عبارة له : ( كل واحد إلو معلّم ) ..لا أذكر جلسة له دون تلك العبارة ..بل كنتُ أنتظره ليقولها ..ولكنه في آخر لقاء لم يقلها ..بل شكا لي تعبه من ضيقْ في صدره و مضى ..ولكن أين مضى ..؟؟،، مضى ليموت في مزرعته الصغيرة : على كرسيه القروي حيث كان يغلق باب الدنيا ويفتح باب الآخرة ..،،
مات أبو محمود ..وهو يحلم كل دقيقة بالعودة لـً ( الرملة ) ..ولكن النظام العربي الرسمي قضى على حلمه وعلى أحلام الملايين من ( أبو محمود ) ..وها هو يرقد الآن على بعد أمتار من بيتي : هادئاً ..لن يزعجه بعد اليوم احتلال ولا اقتتال ..ولكني سأسمع صوته يقول لي عندما يشتد الخَطْب : يا كامل ( كل واحد إلو معلّم ) ..،، .
رحم الله أبو محمود ..إنه حماي الذي أُباهي به الدنيا…،،
الكاتب : كامل نصيرات ( جريدة الدستور الاردنيه )